فصل: تفسير الآيات (1- 7):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.سورة الجن:

.تفسير الآيات (1- 7):

{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)}
قلت: قد أجمعوا على فتح {أنه}؛ لأنه نائب فاعل {أوحى}، و{وَأَلَّوِ استقاموا} [الجن: 16] و{وَأَنَّ المساجد} [الجن: 18] للعطف على {أنه استمع} ف {أن} مخففة، و{أَن قَدْ أَبْلَغُواْ} [الجن: 28] لتعدّي يعلم إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23] و{قالوا إنّا سمعنا}؛ لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من {أنه تعالى جَدٌ ربنا} إلى: {وأنَّا منا المسلمون}، ففتحها الشامي والكوفيّ غير أبي بكر؛ عطفاً على {أنه استمع}، أو على محلّ الجار والمجرور في {آمنا به} تقديره: صدّقناه وصدّقنا أنه تعالى جدّ ربنا {وأنه كان يقول سفيهنا...} إلى آخره، وكسرها غيرُهم عطفاً على {إنّا سمعنا}، وهم يقفون على آخر الآيات.
يقول الحق جلّ جلاله: {قل} يا محمد لأمتك: {أُوحي إِليَّ أنه استمع} أي: الأمر والشأن استمع للقرأن {نفر من الجن}، وهم جن نصيبين، كما تقدّم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجرّدة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. {فقالوا} أي: المستمِعون حين رجعوا إلى قومهم: {إِنَّا سمعنا قرآناً}؛ كتاباً {عجباً}؛ بديعاً، مبايناً لكلام الناس في حُسن النظم ورقّة المعنى. والعجب: ما يكون خارجاً عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة.
{يهدي إِلى الرُّشْد}؛ إلى الحق والصواب، {فآمنّا به} أي: بذلك القرآن، ولمَّا كان الإيمان به إيماناً بالله وتوحيده، وبراءةً من الشرك، قالوا: {ولن نُشْرِكَ بربنا أحداً} من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في به لله تعالى؛ لأنَّ قوله: {بربنا} يُفسّره.
{وأنه تعالى جَدُّ ربِّنا} أي: ارتفع أو تنَزّه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يُقال: جَدّ فلان في عيني إذا عَظُم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ في عيننا، أي: عظم في عيوننا، {ما اتخذَ صاحبةً}؛ زوجة {ولا ولداً} كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد؛ لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرئ {جَدًّا} على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جَداً، وقرئ بكسر الجيم أي: تنزّه صِدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لمَّا سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبّهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزّهوه تعالى عنه.
{وأنه كان يقول سفيهُنا} أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس؛ إذ ليس فوقه سفيه، {على الله شططاً} أي: قولاً ذا شطط أي: بُعدٍ وجورٍ، وهو الكفر؛ لبُعده عن الصواب، من: شطت الدار: بَعُدت، أو: قولاً مجاوزاً للحدّ، بعيداً عن القصد، أو هو شطط في نفسه؛ لفرط بُعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحدِّ في الظلم وغيره. {وأنَّا ظننا أن لن تقول الإِنسُ والجنُّ على الله كذباً} أي: قولاً كذباً أو مكذوباً فيه، أي: كان في ظننا أنَّ أحداً لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبيّن لنا بالقرآن كذبهم.
{وأنه كان رجالٌ من الإِنس يعوذون برجالٍ من الجن}، كان الرجل من العرب إذا نزل بوادٍ قفرٍ وخافَ على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سُدنا الإنس والجنّ، وذلك قوله تعالى: {فزادوهم}؛ زاد الإنسُ والجنَّ باستعاذتهم بهم {رَهَقاً}: طغياناً وسفهاً وتكبُّراً وعتواً، أو: فزاد الجنُّ والإنسَ رهقاً: إثماً وغيًّا؛ بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. {وأنهم} أي: الجن {ظنوا كما ظننتم} يا أهل مكة {أن لن يبعثَ اللهُ أحداً} بعد الموت، أي: إنَّ الجن كانوا يُنكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقرُّوا بالبعث، فهلاّ أقررتم كما أقرُّوا؟! أو: ظنوا ألن يبعث اللهُ رسولاً من الإنس. وبالله التوفيق.
الإشارة: كما كانت تسمع الجنُّ من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالسَ الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كلُّ واحد منهم، وقد حدثني بعضُ أصحابنا أنه بات في موضع خالٍ، فأتاه رجلان من الجن وتحدّثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. اهـ. ففيهم الأولياء والعلماء، والقُراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: {طرائق قِدداً}. وقال الورتجبي: خلق اللهُ بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يُطيعون اللهَ ورسوله، ويُحبون أولياءه، ويستنُّون بسنّة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شِفاهاً، وخضعوا له إذعاناً، واستبشروا برَوح الله، ورَوح قضائه استبشاراً. اهـ. قلتُ: ومعرفة الآدمي أكمل؛ لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها.
وقوله تعالى: {يهدي إلى الرُشد}، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. اهـ. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. اهـ.
وقوله تعالى: {وأنه تعالى جَدُّ ربنا...} إلخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، ستراً لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً. اهـ. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضاً الكذب الذين ظنّت الجن أن لن يُقال على الله، ولذلك قال الشاعر:
مُذْ عَرفْتُ الإِلَهَ لَمْ أَرَ غَيْراً ** وكَذّا الْغَيْرُ عندنا مَمنوعُ

وقال بعض العارفين: لو كُلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. اهـ. وكل مَن استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل مَن أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد.

.تفسير الآيات (8- 10):

{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)}
يقول الحق جلّ جلاله، حاكياً عن الجن: {وأنَّا لمسنا السماءَ} أي: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، واللمس،: المسُ، استعير للطلب لأن الماسّ طالب متعرّف، {فوجدناها مُلِئتْ حَرَساً} أي: حُراساً، اسم جمع، كخدم، مفرد اللفظ، ولذلك قيل: {شديداً} أي: قوياً، أي: وجدنا جمعاً أقوياء من الملائكة يحرسونها، {و} ملئت أيضاً {شُهباً}: جمع شهاب، وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، {وأنَّا كنا نقعُدُ منه} أي: من السماء، قبل هذا الوقت، {مقاعِدَ للسمعِ}، لاستماع أخبار السماء، يعني: كنَّا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشُهب قبل المبعث، فنقعد نسترق، وقد فسّر في الحديث صفة قعود الجن، وأنهم كانوا واحداً فوق واحد، فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة، فيُلقونها إلى الكُهان، ويزيدون معها، ثم يزيد الكُهانُ للكلمة مائة كذبة.
هذا قبل المبعث، وأمّا بعده فأشار إليه بقوله: {فمَن يستمعِ}؛ يريد الاستماع {الآنَ} بعد المبعث {يجدْ له شِهَاباً رصداً} أي: شهاباً راصداً له ولأجله، يصده عن الاستماع، أو هو اسم جمع لراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشُهب، ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكون قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان الرجم في الجاهلية، ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأوقات، فمُنعوا من الاستراق أصلاً بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا هو الظاهر، وأنّ الرمي كان موجوداً قبل البعثة، إلاَّ أنه قليل، وأشعار الجاهلية محشوة بذلك. انظر الثعلبي. ورُوي في بعض الأخبار: أنّ إبليس كان يسترق السمع من السموات، فلما وُلد عيسى عليه السلام وبُعث، حُجبت الشياطين عن ثلاث سموات، فلما وُلد محمد صلى الله عليه وسلم حُجبت عن السموات كلها، وقُذفت بالنجوم. اهـ.
وذكر أبو جعفر العقيلي، بإسناد له إلى لهب بن مالك، قال: حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبي أنت وأمي؛ نحن أول مَن عرف حراسة السماء، ورصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا جئنا إلى كاهن لنا، يُقال له خطل، وكان شيخاً كبيراً، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سننة، فقلنا: يا خطل؛ هل عندك علم بهذا النجوم التي يُرمى بها، فإنّا قد فزعنا منها، وخفنا سوءَ عاقبتها، فقال: ائتوني بسَحَر أُخبركم الخبر، ألِخَيْر أم ضرر، أم لأمن أو حذر، فأتيناه غداً عند السحَر، فإذا هو قائم على قدميه، شَاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه: يا خطل، فأومأ إلينا: أن أمسكوا، فأنقضّ نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعاً صوته: أصابه إصابة، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، ثم قال: يا معشر قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أُقسم بالكعبة والأركان، لمُنع السمع عُتَاةٌ الجان، لِمولود عظيم الشأن، يُبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاصل الفرقان، يَمنع من عبادة الأوثان.
فقلنا: ما ترى لقومك؟ فقال: أرى لقومي ما أرى لنفسي، أن يتبعوا خير نبي الإنس، برهانه مثل شعاع الشمس، يُبعث من مكة دارَ الحُمْس، يحكم بالتنزيل غير اللبس، فقلنا: وممَّن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، ولا في خَلقه هيش، يكون في جيش، وأيّ جيش!! فقلنا: بَيِّن لنا مِن أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، والديار والحمائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشرٍ أكارم، يُبعث بالملاحم، وقتلِ كل ظالم، هذا البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. اهـ.
{وأنَّا لا ندري أَشَرٌّ أُريد بمَن في الأرض} بحراسة السماء، {أم أراد بهم ربُّهم رشداً}؛ خيراً ورحمة، ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرآنية، كقوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] وقوله: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] بعد أن ذكر ما في نفس الأمر بقوله: {قُلْ كُلٌ مِنْ عِندِ اللهِ} [النساء: 78].
الإشارة: إذا كان اللهُ تعالى قد حفظ السماء من استراق السمع، فقلوب أوليائه أولى بأن يحفظها من خواطر السوء، فإذا تَوَلَّى عبداً حَفِظ قلبه من طوارق الشك، وخواطر التدبير، وسوء الأدب مع الربوبية، فيملؤه باليقين والطمأنينة، ويهبُّ عليه برد الرضا ونسيم التسليم، فيخرج عن مراد نفسه إلى مراد مولاه، في كل وجهة وعلى كل حال. جعلنا الله مِن أهل هذا القبيل، بمنِّه وكرمه.

.تفسير الآيات (11- 17):

{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)}
يقول الحق جلّ جلاله، في مقالة الجن: {وأنَّا منا الصالحون} أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، {ومنا دونَ ذلك} أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يُعرب عنه قوله تعالى: {كنا طرائِقَ قِدداً} أي: مذاهب متفرقة، وأدياناً مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: {وأنا لَمَّا سمعنا الهدى...} إلخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب {قِدَداً} أي: متفرقة مختلفة، جمع قِدّة، من: قَدَّ إذا شقّ، كقِطعة من قطع. قاله أبو السعود.
وقال الثعلبي: {وأنَّا منا الصالحون} السبعة الذين استمعوا القرآن، {ومنا دون ذلك} دون الصالحين، {كنا طرائق قددا} أهواء مختلفة، وفِرقاً شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك}، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهوداً ونصارى، وقال السدي: {طرائق قددا} قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. اهـ. والحاصل: أن {دون} صفة لمحذوف، وهي إمّا أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى غير فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة؛ نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: {وأنَّا لمَّا سمعنا الهُدى...} إلخ.
{وأنَّا ظننا} أي: تيقَّنَّا {أن لن نُّعْجِزَ اللهَ} أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و{في الأرض}: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، {ولن نُّعجِزَه هَرَباً}: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. {وأنَّا لمَّا سمعنا الهُدى}؛ القرآن {آمنا به}؛ بالقرآن، أو بالله تعالى، {فمَن يؤمن بربه فلا يخافُ} أي: فهو لا يخاف {بَخْساً}؛ نقصاً {ولا رَهَقَا} أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: {وَلآ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلآ ذِلَّةُ} [يونس: 26]، وفيه دليل على أنَّ العمل ليس من الإيمان، وأنَّ المؤمن لا يخلد في النار.
{وأنَّا منا المسلمون}؛ المؤمنون، {ومنّا القاسِطون}؛ الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة {فمَن أسلم فأولئك تَحَروا رَشَداً}؛ طلبوا هدى. والتحرّي: طلب الأحرى، أي الأَولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى مَن، {وأمَّا القاسطون}؛ الحائدون عن الإسلام، {فكانوا} في علم الله {لِجهنم حَطَباً}؛ وقوداً، وفيه دليل على أنَّ الجنِّي الكافر يُعذّب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدّم أنّ المشهور أنهم يُثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: {فمَن أسلم.
.} إلخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة مِن الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. اهـ.
{وأن لو استقاموا} أي: القاسطون {على الطريقة}؛ طريقة الإسلام {لأسْقيناهم} المطر {ماءً غَدَقاً} أي: كثيراً، والمعنى: لوسّعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغَدَق؛ لأنه سبب سعة الرزق، {لِنفتنَهم فيه}؛ لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خُوِّلوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عزّ وجل: «لَوْ أنَّ عِبادِي أطاعوني لأسْقَيتُهم المطرَ باللَّيْل، وأَطْلَعتُ عليهمُ الشمس بالنهار، ولم أًسمِعهم صوت الرعد»، وهذا كقوله تعالى: {وَلَوْ أّنَّ أّهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السمآء والأرض} [الأعراف: 96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماءً غدقاً، استدراجاً، {لِنفتنَهم فيه} فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: {وَلَوْلآ أّن يَكُونَ الناس أُمَّةَ وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا...} [الزخرف: 33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: {ومَن يُعرض عن ذكر ربه}؛ القرآن أو التوحيد أو العبادة، {نسلكه}؛ ندخله أو يدخله الله {عذاباً صعداً}؛ شاقًّا صعباً، يعلو المعذّب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصَعَّدني شيءٌ ما تصعّدتني خِطبة النكاح، أي: ما شقَّ عليّ. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أنَّ قوله تعالى: {فمَن أسلم} من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: {وأن لو استقاموا} من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إليَّ أن لو استقاموا... إلخ.
الإشارة: تقدّم أنَّ الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلاّ أنَّ معرفة الآدمي أكمل؛ لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلاّ من الإنس؛ لشرفهم. قوله تعالى: {وأنا ظننا ألن نُعجز اللهَ في الأرض...} إلخ، أي: تيقَّنا ألاّ مهرب منه، فرجعنا إليه اختباراً، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، {وأنَّا لمّا سمعنا الهُدى آمنا} أي: أجبنا الداعي بلا تلَعْثم ولا تردد، وكذا في كل داعٍ بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابِقو الجن ومقربوهم، فمَن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصاً ولا ذُلاًّ، بل كمالاً وعِزًّا، من أي فريق كان، وأنّا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمَن استسلم ورَضِي فقد تحرّى رشداً، ومَن قنط وسخط كان لجهنم حطباً، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار؛ لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماءً غدقاً، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعّمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمالَ النعمةِ وإكساب الراحة، والإعراضُ عن الله يُجب تَنَقُّصَ النعمة ودوام العقوبة. اهـ.
وقوله: {لِنفتنهم}؛ لنختبرهم، مَن يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فيُنكر، فيُسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم.